تقرير رمضان في جزر القمر.. احتفالات مبكرة و"بوبو" العيد تصنعه النساء

...
موروني-غزة/ فاطمة الزهراء العويني:

"مسيرة المشاعل" هي النكهة الخاصة التي تميز احتفالات دولة "جزر القمر" الإسلامية بالشهر الفضيل، فتبدأ الأسر بالتحضير لشهر رمضان منذ حلول شهر شعبان، وقبيل غروب شمس التاسع والعشرين من هذا الشهر تتوجه الأنظار نحو السماء غربًا أملًا في أن يرى أحدهم هلال رمضان، ويظفر بلقب أول من يبلغ عن حلول الشهر الفضيل.

تبدأ جزر القمر احتفالاتها في شهر شعبان، إذ يبدأ الأشخاص في تنظيم الحفلات منذ بداية النصف الثاني من شهر شعبان، ويقوم الشباب بتنظيم الحفلات الفلكلورية إيذانًا بقدوم الشهر الفضيل على الشواطئ والمزارع والمتنزهات. في حين تكثر حفلات الزواج ليصوم الزوجان فيتم تنظيم ما يسمى بـ"المجالس" للإعلان عن هذا الزواج، بحضور فرق موسيقية بدفوفها وتلقي القصائد الدينية. 

مشاعل وطبول

وقبيل دخول شهر رمضان، يستعد المسلمون بتنظيف المساجد، وترميمها لتظهر بطابع جديد، وطلائها بأجمل الألوان مع تزيينها بالمفارش، وتغيير المصابيح الجديدة بالقديمة، وتنظيم الرفوف لوضع المصاحف لتكون جاهزة للمصلين، ويستمر ذلك خلال الشهر المبارك الذي تكثُر فيه حلقات الذكر وتلاوة القرآن الكريم، والصدقات وأعمال الخير.

وفي بعض القرى في جزر القمر، تتجه النسوة على شكل مجموعات إلى المزارع، إذ يقمن بجمع الحطب حتى لا ينقص في بيوتهن خلال شهر الصوم، إذ أن كثيرًا من الأسر في تلك القرى لا تتوفر لديها إمكانات الطبخ الحديثة.

وفي ليلة ثبوت الهلال يخرج المواطنون حاملين المشاعل فيما يسمى بـ"مسيرة المشاعل" ويتجهون إلى السواحل ويضربون بالطبول إعلانًا بقدوم شهر رمضان وتظل هذه الاحتفالات قائمة حتى وقت السحور.

وتخيم أجواء من الوحدة والتلاحم على أرجاء البلاد في هذا الشهر، إذ يتحول المسلمون هناك إلى أسرة واحدة على مائدة الإفطار، فتحمل كل أسرة طعامها ويذهبون به صوب المسجد، ويتبادلون الأطعمة والمشروبات مع بعضهم بعضًا في مشهد يعكس حجم التكاتف والتعاون فيما بينهم.

الجلّابة التقليدية

في حين تعد حياكة "البوبو" (الجلّابة التقليدية) للرجال، من الأعمال التجارية التي تزدهر خصوصًا في شهر رمضان في جزر القمر. فالتقاليد في هذا البلد تفرض على جميع الرجال يوم عيد الفطر، ارتداء الجلابية البيضاء لأداء صلاة الصبح.. عادات رائجة تنبثق من خصوصية اجتماعية وروحية للسكان في شهر الصيام، فتصنع خليطًا متجانسًا بين الأعمال التجارية والعبادات، لتخطف الأضواء وتضفي على رمضان مذاقًا خاصًّا لا يدركه سوى سكان جزر القمر.

وارتباط شهر الصيام بـ"البوبو"، جعل من خياطة هذه الجلّابة التقليدية تجارة رائجة ومزدهرة، فالنساء يحرصن، في رمضان، على إقامة ورشات خياطة، بل إنّ البعض منهن فضّلن صنعها يدويًّا.. مجموعة من نساء الحي يجتمعن لخياطتها عند الصباح، بالاستعانة ببعض أفراد العائلة، وخصوصًا الفتيات الصغيرات.

والوجود المحتشم للنساء في الأماكن العامة في العاصمة موروني يجد تفسيره في انزوائهن خلف آلات الخياطة، أو على إحدى الأرائك في منازلهن، وهن يخطن الجلابة التقليدية، أو يصنعن قبعة يدوية في غاية من البساطة والجمال. البعض منهم يتلقّى طلبيات، في حين أن البعض الآخر يعمل لحسابه الخاص، إذ يقمن بتجهيز كميات كبيرة لبيعها لتجار الجملة والتجزئة.

ورؤية "بوبو" معلّقا في أحد المتاجر قد لا يوحي بأنّه استغرق من أولئك النساء كل ذلك الجهد.. ففي الظاهر يبدو بسيطا للغاية، غير أنّ باطن الأمور غالبا ما تكون مختلفة.

فلصنع جلابة، لا بدّ من توفّر قماش ناصع البياض، أو قماش أبيض مخطّط بخيوط مذهّبة.

دخل الإسلام لجزر القمر عن طريق التجار العرب والأمراء الشيرازيين المنفيين وهي بلد عربي إسلامي إفريقي صغير، يتكون من عدة جزر تقع في المحيط الهندي، وأطلق العرب عليها جزر القمر في أوائل القرن الثاني الهجري، وذلك لأن التجار العرب العائدة أصولهم إلى مسقط وعدن وحضرموت هبطوا على ساحل الجزر وكان القمر بدرًا، ويقول البعض إن هذه التسمية ترجع إلى أن هذه الجزر تشبه القمر في شكلها.