ذبح القرابين وفرض السيادة على الأقصى

تحرص جماعات الهيكل المتطرفة على ذبح القرابين في الأقصى خلال ما يسمى (عيد الفصح اليهودي)، إذ يحتل هذا العيد في الديانة اليهودية أهمية بالغة وهو يرتبط وفق اعتقادهم بالفترة التي خرج فيها بنو إسرائيل من مصر، وقد رسخت رواياتهم المحرفة بعد القصص والطقوس والشعائر الدينية، ومنها أنهم صنعوا خلال خروجهم فطيرا بدون خميرة بأمر من الله لشكره على إنقاذهم من مصر، ولهذا يعد هذا العيد من أبرز وأقدس المناسبات الدينية لدى اليهود لارتباطه بالقرابين التي قدمت في إطار الشكر بعد أن تم إنقاذهم من الهلاك بحسب اعتقادهم، لذلك يحرصون كل الحرص على ذبح القرابين إحياء لهذه الشعائر والطقوس.

وفي هذا الإطار استمرت التحضيرات لإحياء هذه المناسبة الدينية منذ عدة أشهر، ونفذوا اقتحامات تحضيرية لعيد الفصح الأيام الماضية، إذ أعلن خلال ذلك عدد من الحاخامات والمستوطنين المتطرفين نيتهم إحياء كامل هذه الطقوس في الأقصى، معتبرين أن وقت تقديم القربان في هذا المسجد قد حان، وخلال الاقتحامات أُلقيت العديد من المحاضرات وأجريت النقاشات التحضيرية لإحياء عيد الفصح، وكان أبرز النقاشات قضية ذبح "قربان الفصح"، والاستعداد لبناء الهيكل، وأهمية الحشد والتواجد اليهودي في الأقصى.

حيث تحدث أحد هؤلاء الحاخامات المتطرفين ويدعى "يهودا كروزر" في كلمة له داخل ساحات المسجد الأقصى؛ كل شيء جاهز لتقديم ذبيحة الفصح في جبل الهيكل، وهذا هو مكان المذبح مشيرا إلى قبة السلسلة، وهناك خِراف بلا عيوب وكهنة جاهزون وملابسهم جاهزة، فقط ينقصنا تغيير الوعي وأن نقدم الخطوة الأولى، ويسود الاعتقاد لدى هؤلاء المجرمين أنه يجب نثر دماء القربان عند قبة السلسلة لأنهم يعتقدون أنها بُنيت داخل ساحات المسجد الأقصى لإخفاء آثار المذبح التوراتي.

وحتى يتمكنوا من تنفيذ هذه الخطوة قدم زعيم الحركة المتطرفة "رفائيل موريس" والتي تدعى (العودة إلى جبل الهيكل) طلبا رسميا لشرطة الاحتلال حتى يتمكنوا من تقديم "القربان" في المسجد الأقصى مساء الجمعة 15 إبريل/نيسان الجاري، وقال موريس إنه يسعى إلى تحقيق ذروة العبادة اليهودية في أقدس الأماكن، معتبرًا ذلك بأنه "الغاية الأسمى" وأن رفض الشرطة لطلبه سيشكل سلوكًا معاديًا لليهود واستسلامًا وتشجيعًا على الإرهاب، لكن بعد يوم من تقديم الطلب، جاء الرفض من شرطة الاحتلال، إلا أن هذا المتطرف أظهر التحدي وتعهد بالحضور إلى الأقصى لتقديم قربان الفصح.

وقد جاء هذا الرفض لاعتبارات مختلفة أبرزها: التحذيرات الفلسطينية من هذه الخطوة وتصاعد الأوضاع في القدس والأقصى استعدادا لمواجهة المستوطنين لمنعهم من تنفيذ هذه الطقوس في الأقصى، إضافة إلى دخول المقاومة الفلسطينية في غزة على الخط وإرسالها تهديدات مباشرة وأخرى عبر الوسطاء؛ أن ذبح القرابين في الأقصى وتطبيق هذه الطقوس سيعد تطورًا خطيرًا وتجاوزًا للخطوط الحمراء وسيستدعي ردًّا من المقاومة في غزة وكل الأراضي الفلسطينية وربما يكون الشرارة التي تفجر الأوضاع وتنقل المشهد إلى جولة عنيفة من القتال على غرار معركة سيف القدس العام الماضي.

لكن هذا الرفض قد يكون شكليا لإظهار حرص المستوى السياسي للاحتلال وكذلك المنظومة الأمنية على تهدئة الأوضاع ومنع حدوث تصعيد مجددا وفي ذات الوقت خداع شعبنا والالتفاف على الأمر وتطبيق هذه الشعائر والطقوس بطريقة مختلفة؛ لأن هذه القوى السياسية أيضا تدعم المتطرفين ومعنية بتحقيق أو تنفيذ هذه الخطوات لما لهم من قدسية بالنسبة لهم هذا بالإضافة للاعتبارات السياسية لأن حكومة الاحتلال لا تريد أن تتعرض لضغوط داخلية إضافية ولا ترغب في دفع ثمن سياسي، هذا بالإضافة إلى أنها لا تريد أن تظهر ضعيفة وترضخ للإرهاب أمام جمهورها.

لذلك: فإنه لا أحد يثق بالاحتلال، والمقاومة هي الكفيل بل الدرع الحصين لحماية القدس والأقصى وكل الأرض الفلسطينية، والتي أثبتت ومن قلب قطاع غزة أنها أعدت كل هذه القوة لهذا الغرض الوطني العظيم، ويكفي الإشارة إلى ما اشترطته المقاومة في الساعات الأخيرة في حديثها واتصالاتها مع الوسطاء بأنه: "على الاحتلال أن يوقف عدوانه وانتهاكاته فورا ويطلق سراح المعتقلين ويسهل حرية العبادة وكذلك يتوقف عن أي عدوان ضد مخيم جنين، وهذا يؤكد إيمان المقاومة وقناعتها الراسخة بأن الأرض الفلسطينية قطعة واحدة لا تتجزأ، وأن العدوان على جنين أو على الأقصى أو حتى الداخل هو عدوان على كل فلسطين يستدعي التحرك لردع الاحتلال واجباره على وقف العدوان وتدفيعه ثمن جرائمه.