تقرير "السرطان" أوقد شرارة الإبداع فكان "بيت المرأة الفلسطيني للتطريز"

...
صورة أرشيفية
غزة/ هدى الدلو:

من على سرير المرض في مستشفى المطلع بمدينة القدس كانت البداية، عندما قررت سهاد صيدم الخروج من حالة الاكتئاب التي أصابتها جراء إصابتها بمرض السرطان.

قطعة قماش عكفت على تطريزها بمشاركة ثلاث سيدات من قطاع غزة كُن معها هناك فتحت أمامها آفاق العمل في مشروعٍ خاص، بعد أن بيعت بمجرد الانتهاء منها بمبلغٍ جيد، هنا اتقدت شعلة الإبداع في قلبها، وقررت أن تمضي في طريقه قويةً رغم المرض، لتصبح اليوم مشرفة "بيت المرأة الفلسطيني".

البيت الذي يضم 50 سيدة، 20 منهن من مريضات السرطان، وبعضهن ناجيات منه؛ يصدر اليوم منتجاته إلى العديد من الدول، بقيادة أربعينيةٍ نجَت من قيود المرض، وتشبثت بجذورها والهوية.

صيدم -وهي أم لأربعة أبناء- خريجة تخصص إدارة الأعمال، وبرمجة الحاسوب في الجامعة البريطانية، جذبتها الخيوط الملونة، والأشكال المطرزة التي تصنعها يد جدتها منذ نعومة أظفارها، إذ كانت تجاورها بشغفٍ لتلتقط بعينيها أساسيات التطريز، وأنواع الغرز، "حتى إنني استطعتُ التفريق بين الثوب المجدلاوي، وثوب بئر السبع، وثوب القدس، وغيرها من المدن، كما علمتُ مناسبات ارتداء الأثواب المطرزة ومواسمها أيضًا" تقول.

لكل غرزة معنى

وتضيف لصحيفة "فلسطين": "الشغف دفعني لمعرفة رمزية ودلالة التطريز، وقصة كل ثوب فلسطيني، وما تحمله غرزه من دلالات، ومعانٍ، ليس هذا وحسب، فالمرض كاد يهزمني لولا أنني وجدت قربي إبرةً وخيطًا".

مر على عمل صيدم في مجال التطريز ما يقارب 16 عامًا، حين بدأت بقطعٍ صغيرة وبسيطة لعدم توافر المواد الخام، حتى شاركت منذ أربعة أعوام في مسابقة نظمتها منظمة "كير" العالمية لدعم المشاريع الصغيرة، وحظيت بالفوز من بين 600 ريادي وريادية.

وتكمل: "بدأت حينها في تكوين فريق عمل صغير بدأ بثلاث سيدات، إلى أن وصل اليوم إلى ما يقارب 50 سيدة، وكلنا نعمل ضمن فريق واحد في مجال التطريز والخياطة، وإعادة تدوير بعض المنتجات".

في بداية العمل اقتصر التسويق على السوق المحلي، واستطاعت صيدم أن تتخطى الحصار المفروض على قطاع غزة بترويج أعمالها من طريق مواقع التواصل الاجتماعي، والوفود العربية القادمة إلى القطاع، والمشاركة الدائمة في المعارض، هكذا حتى تمكنت من تصدير أول مطرزاتها إلى المملكة الأردنية الهاشمية.

وتشير صيدم إلى أن منتجاتها من التطريز مطوعة لمواكبة العصر والموضة، وتتناسب مع جميع الفئات العمرية، فقد وضعت الغرزة الفلسطينية والتطريز على أثواب العرائس، لتحمل السيدة الهوية الفلسطينية في كل مناسباتها.

وفي سابقةٍ مميزة تمكنت السيدة من دمج التطريز الفلسطيني والمغربي، كذلك التطريز البرازيلي والروسي، وطورت من المنتجات المطرزة، بحيث تشمل كل ركن من أركان البيت أو المؤسسات.

منذ سنوات تولت صيدم الإشراف على معرض "تراثنا هويتنا" في بيت الغصين، بمساعدة فريق العمل في بيت المرأة الفلسطيني، ونظمت دورات تدريبية للنساء، كي يتمكنّ من العمل في السوق المحلي، وإيجاد فرص عمل ورزق.

تقول: "مدة الإغلاق بسبب جائحة كورونا على مساوئها على بعضٍ مثلت لي نقلة نوعية، إذ صنعتُ كمامات مطرزة مطابقة للمواصفات الطبية، بإشراف من وزارة الصحة على نوعية القماش المستخدم، وقد صدرت إلى الأردن، وكندا، وفرنسا".

مبادرات وحلم ببصمة عالمية

وقد خصصت صيدم حينها العائد المادي من الكمامات لمساعدة مريضات السرطان في غزة، أما الربح اليومي من التطريز والبيع فكانت تستثمره في إطلاق مبادرات لمساعدة المرضى والفقراء، كالأطفال مرضى السرطان، وكسوة الشتاء، وغير ذلك.

إشرافها على مبادرات إنسانية وتنفيذها لها جعلاها أول سيدة على مستوى فلسطين تحصل على كأس العالم لريادة المشاريع، في منافسةٍ شارك فيها 17 ألف ريادي على مستوى العالم.

ولفتت صيدم إلى أن العمل يقيمه فريق، بناءً على الوقت الذي تحتاج إليه القطعة في التطريز، "فبعض الأثواب تحتاج إلى شهر أو شهرين، وآخر يحتاج إلى ستة أشهر، إضافة إلى نوع القماش".

ومن التحديات التي واجهتها في مشروعها عدم القدرة على المشاركة في المعارض الدولية، بسبب الحصار المفروض على القطاع، والإغلاق الذي أدى مرارًا إلى غلاء أسعار المواد الخام.

وتطمح صيدم للوصول مستقبلًا إلى الأسواق العالمية بصورةٍ أكبر، وأن تكون منتجاتها "بصمة" في عالم التراث، بهويتها الفلسطينية، وجذورها التاريخية.

تختم حديثها: "أحلم أن أكون سفيرة التراث الفلسطيني، وأن أتمكن من تكوين فرق عاملة في دول مختلفة، تسوق للتطريز الفلسطيني أشكاله المختلفة، وأن يصبح مشروعي علامة تجارية عالمية، تحمل توقيع سيدات غزة، ومريضات السرطان على وجه الخصوص".