السلطة مقصرة جدًّا وتختبئ خلف الموقف الأردني

حوار عمرو: الاحتلال سينتهز "المناخ السياسي المناسب" لطرد أهالي "الشيخ جراح"

...
الخبير في شؤون القدس، د. جمال عمرو (أرشيف)
القدس المحتلة-غزة/ حاوره محمد الأيوبي:

توقع الخبير في شؤون القدس، د. جمال عمرو، أن تنتهز سلطات الاحتلال الإسرائيلي أي "مناخ سياسي مناسب"، خلال عام 2022، لطرد أهالي حي الشيخ جراح، في شرقي مدينة القدس المحتلة، محذرًا من أن "الشيخ جراح" يشكل بوابة لموجة شرور إسرائيلية "هائلة جدا"، وتهويد أحياء مقدسية أخرى.

وقال عمرو في حوار مع صحيفة "فلسطين": إن "الاحتلال انتهازي بطبعه، وسينتهز الفرصة في أي مناخ سياسي مناسب، لمهاجمة العائلات الأضعف في الشيخ جراح وطردها من منازلها، ويمكن أن يحقق إنجازا على هذا الصعيد"، لافتًا إلى أن إصرار السكان يدلل على أنهم لن يمرروا الهمجية الإسرائيلية للاستيلاء على منازلهم،وسيكون هناك مواجهات وصمود أسطوري في مواجهة الاحتلال .

وأضاف: "إن الاحتلال وضع نصب عينه السيطرة على الشيخ جراح بأي مبرر، ومنذ سنوات سيطر على 4 منازل في الحي، من بينها منزل الحاجة أم كامل الكرد، ومنزلي عائلتي الغاوي وحنون، وأخلاهم بضجة إعلامية أقل"، مشيرًا إلى أن التغطية الإعلامية الواسعة للأحداث في "الشيخ جراح" أربكت الاحتلال، وجعلت القناصل الأجانب يناصرون سكانه.

وشدد على أن "أي تحرك إسرائيلي لطرد أهالي الشيخ جراح لن يكون يسيرًا، حيث ستكون هناك ردات فعل فلسطينية من أهالي الحي ومناصريهم، لافتاً إلى أن سكان الحي باتوا اليوم أكثر جرأة ووعيًا من أي وقت مضى، بعد أن كانت عملية إخلاء البيوت الأربعة الأولى في الحي أيسر.

أهمية "الشيخ جراح"

والشيخ جراح بوابة البلدة القديمة الشمالية، ويفضي للمسجد الأقصى المبارك، ويصل لباب الساهرة، كما أنه حي دبلوماسي، حيث يوجد فيه السفارات الأجنبية منذ العهد العثماني والانتداب البريطاني وصولاً للعهد الأردني، وهذا يؤكد تواصل الوجود الفلسطيني في المدينة، الأمر الذي يُغيظ الاحتلال لأن هذه السفارات لم تأخذ اعتمادها من الاحتلال، وفق ما يقول عمرو.

كما ضم "الشيخ جراح" مكتب منظمة التحرير عند تأسيسها عام 1965، وبيت المفتي العام للقدس الحاج "أمين الحسيني"، وبعض المؤسسات مثل مستشفى العيون وبعض الفنادق الفاخرة، وهو ملاصق للمنطقة الصناعية في حي "وادي الجوز" التي يسعى الاحتلال لإقامة على أنقاضها ما يعرف بمشروع "وادي السيليكون"، وذلك بتمويل إماراتي.

وقال عمرو: "إن الذي يحصل في الشيخ جراح جريمة "يندى لها الجبين"، وأمر خطير جدًا، لأن الحجة الإسرائيلية للاستيلاء على الحي، أنه في القرن الثامن عشر كان يعيش اليهود هناك، ويوجد به "مغارة الصديق شمعون"، وهي كذبة انكشف عدم صدقها. 

وأضاف: "اليهود يقولون إنهم مروا من هنا، وحيثما وطئ اليهود بأقدامهم أرضاً فهي أرض مقدسة لليهود، وليست للفلسطينيين أو المسلمين أو المسيحيين أو غيرهم، إذا كان الأمر بهذا الشكل الخطير جداً، علينا أن ندرك حجم المخاطر التي تحيط بمناطق أخرى". 

تهجير أحياء مقدسية

وحذر من نجاح الاحتلال في طرد أهالي الشيخ جراح، يعني انتقاله لتهويد وتهجير أحياء مقدسية أخرى بزعم أنّه كان لليهود وجود فيها خلال أزمان سابقة، كـ"بطن الهوى" الذي يزعم أنّ يهودًا من اليمين كانوا يعيشون فيها، و"البستان" الذي يزعم أنه كان فيه حدائق للملوك (سليمان وداود عليهما السلام) سنة 1000 قبل الميلاد.

وبيّن أنّ أهالي الشيخ جراح هجروا منازلهم في أحياء الشطر الغربي من مدينة القدس في إثر نكبة عام 1948، ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" هي التي أنشأت منازلهم بالتعاون مع وزارة "التعمير والإنشاء" الأردنية، في الشيخ جراح، وعليه يجب أن يعود هؤلاء إلى منازلهم في غربي القدس لأنّهم لم يطؤوا أرضا كما يزعم اليهود، بل يملكون وثائق ملكية لها، وهم ما زالوا أحياء منذ تهجيرهم. 

وشدّد على أن قيادة السلطة في رام الله مقصّرة في هذا الملف، وهي لم تضغط على الأردن للدفاع عن الشيخ جراح، بصفته هو الذي منح المنازل للعائلات، قبل أن يعطي الأردن بعض الوثائق التي كانت لديه للسكان، على خجل، والتي لم تكن كافية، حيث ما زال الموضوع يُنظر فيه أمام القضاء، وهناك أوامر بإخلاء 4 بيوت.

ولفت إلى أنّ هناك صراعًا قضائيًّا وإصرارًا من أهالي الشيخ جراح على الرباط والثبات في مواجهة أوامر الإخلاء، في حين أنّ الاحتلال مرتبك تماما، لأنه يلاحظ حجم التعاطف والتضامن من الشعب الفلسطيني، وتهديدات المقاومة في قطاع غزة، ولا سيما بعد معركة "سيف القدس"، إضافة إلى أنّ الاحتلال مُحرج أمام الأوربيين والأمريكيين.

ونبّه إلى أنّ الاحتلال يحسب حساب التغطية الإعلامية، ورباط أهالي القدس، واستخدام القوة، ووسائل الاستنجاد بالقناصل الأجانب الذين جاؤوا وأعلنوا عن تضامنهم مع أهالي "الشيخ جراح".  

وذكر أن قضية الشيخ جراح أخلاقيا هي فاشلة بالنسبة للإسرائيليين، فهي تكشف وجههم الكالح الإجرامي، الذي هو أسوأ من "أبرتايد" جنوب إفريقيا، فهم عليهم أن يسلموا البلاد لأهلها الأصليين، ولن يستطيعوا أن يثبتوا ملكية أيّ متر في فلسطين، و6 ملايين فلسطيني مهجرون في أنحاء الأرض يريدون العودة إلى أراضيهم التي هُجّروا منها عام 1984، "شاء الاحتلال أم أبى".

المسار القانوني

وبخصوص المسار القانوني أمام محاكم الاحتلال، أوضح عمرو أنّ هناك عددًا من المحامين من القدس والأراضي المحتلة عام 1948 يتقاضون أمام المحاكم الإسرائيلية، ويرفعون الالتماسات، بعدما أخذوا التفويض من السكان، ويخاطبون البعثات الدبلوماسية والسلطة في رام الله، ويحاولون أن يدفعوها دفعًا، ويحاولون أن يحرجوا الحكومة الأردنية من أجل التحرك على المستوى الرسمي، ورفع قضايا للأمم المتحدة.

وأضاف: "هناك دفاع قانوني مستميت، وقضية الشيخ جراح بالنسبة للمحامين قضية رابحة، وهي إنسانية بالدرجة الأولى، كما لسكان الحي حقوق سياسية باعتبارهم مدعومين من هيئة أممية "أونروا"، التي بنت مساكنهم.

وحول "التسوية" التي عرضتها محكمة الاحتلال العليا، قال: "التسوية" ولدت ميتة وستبقى ميتة، وهي أبشع صور الخداع الإسرائيلي المجرب، حيث بمجرد موافقة الأهالي على الصفقة، هناك نص قانوني خلف الصفقة غير موجود في النص الأصلي، يحول الأهالي إلى "مستأجرين محميين لمدة 15 عامًا"، تنتهي الأجرة بميلاد الجيل الثالث، وهو جيل الشباب الحالي، وسيطلب منهم مغادرة منازلهم وتسليمهم فور توقيع آبائهم على الصفقة.

ولفت إلى أنه تم تنبيه أهالي الشيخ جراح إلى هذه الخديعة الإسرائيلية الكبيرة جدًا والغادرة، والسكان لن يقعوا في هذا الفخ على الإطلاق.

وعن موقف حكومة الاحتلال الجديدة من قضية "الشيخ جراح"، أوضح عمرو أن حكومة نفتالي بينيت تريد أن تنتصر من خلال تحقيق إنجاز هائل جدًا لإرضاء المستوطنين من أجل الحصول على أصواتهم، عبر الاستيطان في الضفة الغربية والجولان السوري، وتفريغ 6 أحياء في القدس.

وأشار إلى أن الحرب على القدس أساسية جدًا بالنسبة لحكومة الاحتلال، التي تهدف لتهويد أحياء الشيخ جراح، وبطن الهوى وعين اللوزة والبستان ووادي حمص، ووادي يأصول، الذي يخطط لإزالة 100 من بيوته وبناء مستوطنة على أنقاضها.

ولفت إلى أن حكومة بنيت هي حكومة تناقضات، وهي تجمع مصلحة كان هدفها إسقاط حكومة بنيامين نتنياهو، لكن عمودها الفقري حكومة مستوطنين متطرفين، وهي مجرمة بكل المقاييس.

السلطة مقصرة

أما بخصوص تقييمه لدور السلطة في إسناد الشيخ جراح، قال: إنّ السلطة مقصرة جدًا في التحرك نصرة للحي، وما فعله الشقيقان منى ومحمد الكرد يستحقان عليه أن يكونا وزراء خارجية، ويعجز عن فعله وزير السلطة في رام الله رياض المالكي.

وأوضح أن "السلطة تختبئ دائماً خلف الأردن، باعتبار الأخيرة وصية على المقدسات، وهي التي نفذت مشروع "أونروا" لإسكان المهجّرين من منازلهم عام 1948، حيث ارتكبت "جريمة كبرى" بتلكئها في نقل ملكية المنازل للأهالي، بعد أن بدأت فيه.

وبشأن المطلوب لنصرة الشيخ جراح، قال: "بالبعد الإستراتيجي يجب كفّ الأذى والحصار العربي عن قطاع غزة، فهذا ينصر الشيخ جراح بشكل مباشر، ويرفع المعنويات عاليا جداً، ويبدو الأمر بالنسبة للإسرائيليين ليس لقمة سائغة أو يسيرًا، فغزة ستلقن الاحتلال الدرس باسم الفلسطينيين، مستدركًا: "غزة يجب ألا تقاتل وحدها، ويجب أن يكون هناك تحرك من الضفة الغربية، ونريد نصرة من مخيم جنين حتى جباليا، فهذا التضامن الهائل يربك الاحتلال". 

وذكر أننا بحاجة لمنابر إعلامية قوية تدعو لنصرة غزة والقدس، ليبقى التضامن سيد الموقف، لأنه لا يمكن الطلب من غزة أن تقدم مزيدًا من الشهداء والضحايا والخسائر باسم القدس، وسائر الضفة الغربية تتفرج، مشيرًا إلى أن جهاز "الأمن الوقائي" التابع للسلطة الذي يستنزف 30% من ميزانية السلطة شغله الشاغل اعتقال الشرفاء في الضفة. 

ودعا عمرو المنابر الإعلامية الفلسطينية، ونشطاء التواصل الاجتماعي الذين لديهم هامشًا من الحرية، إلى حث سكان القدس للتضامن مع أهالي الشيخ جراح، والتواصل مع البعثات الأجنبية حتى لا تقاطع الشيخ جراح، وتبقى الأمور مربكة للاحتلال.

كما دعا لحث سكان الحي بأسمائهم على عدم التوقيع أو الخروج من بيوتهم، وإشعارهم أنّهم في دائرة الاستهداف الإسرائيلي و"عين العاصفة"، وفي دائرة الاهتمام الفلسطيني، وأنّنا لن نترككم، وإحراج السلطة والأردن بأنهم مقصرون.