تقرير الأخوان ترتير.. بصماتهما تحف فنية تعتلي المساجد أهلةً وقبابًا

...
يوسف ترتير
نابلس–غزة/ فاطمة الزهراء العويني:

يقضي يوسف ترتير (49 عاماً) من مدينة نابلس المحتلة أمتع لحظاته وهو يصنع قبة لأحد المساجد بالضفة الغربية، فهذا العمل يعشقه منذ كان في الخامسة عشرة من عمره حين كان يقضي الوقتَ بعد عودته من المدرسة في معاونة والده.

ففي ورشة الإخوة ترتير "سمكرة الإخلاص" التي افتتحها والدهما عام 1968م في الشارع الرئيس في البلدة القديمة من نابلس، يقضي يوسف برفقة شقيقه سعيد (52 عاماً) وقتاً طويلاً في عمل يدوي محترف، يشكلان فيه معدن "الستانلس" لصناعة قبة أو هلال لأحد المساجد.

يقول يوسف إنه أحبّ هذا الفن منذ كان يأتي لورشة والده بعد المدرسة في المرحلة الإعدادية، "فهو عمل يدويٌ بشكل كامل، وما زلنا نمارسه بكل شغف، وبنفس الأدوات القديمة التي كان يستعملها والدي، فلا توجد ماكينات حديثة لهذا الفن".

ولا يبدي ترتير أي انزعاج من عدم وجود آلات حديثة لهذا الفن، فهو يؤمن بأنّ ما يميز المهنة هو كونها فناً يدوياً يُمكّن صاحبها من تشكيل "الصاجة" وزخرفتها بالشكل الذي يريده بواسطة آلاته: المقص و"المتنى"، والكورنيش" التي يقضي وقتاً طويلاً في استعمالها.

ويُعد الأخوان ترتير العمل لمصلحة المساجد "عملاً خالصًا لوجه الله"، فعلى الرغم من زيادة سعر المواد الخام أضعاف ما كان في حياة والدهما فإنهما لم يرفعا ثمن القباب والأهلة، في حين يعتمدان في موردهما المالي على صناعة" صوبات التدفئة" والعمل للمطاعم وغيرها من المنشآت التجارية.

وقت طويل

"قديماً كنا نستعمل "الألمونيوم" ولكن بعد مدة طلبت وزارة الأوقاف بالضفة استعمال "الستانلس" لكونه يخدم مدى الحياة، ولا يتغير لونه ولا يتأثر بالعوامل الطبيعية صيفاً وشتاءً، في حين الألمونيوم يتغير لونه"، يقول ترتير.

وتحتاج عملية صناعة "هلال" لمسجد بالحجم المتعارف عليه لقرابة يوم أو يوم ونصف اليوم وفي بعض الحالات إذا طلب القائمون على بناء المسجد -وفقاً لـ"ترتير" -حجماً أكبر فإننا نحتاج لوقت أكثر لصنعه، "ويختلف شكل الهلال حسب العصر الإسلامي المُستمد منه الشكل فالهلال في العصر العثماني "تكون فتحته للأعلى" بينما في العصر الأموي "تكون فتحته على جهة اليمين".

وللقباب التي يصنعها الأخوان ترتير أشكال مختلفة سواء بيضاوية أو بصلية "على شكل بصلة" أو على شكل صنوبرة، ويحتاج العمل فيها بين (15-20 يومًا) في حين يتراوح طولها عادة بين "ستة إلى عشرة أمتار".

يضيف: "نستمر أنا وشقيقي في العمل من السابعة صباحًا وحتى الرابعة مساءً لإنجاز أي قبة أو هلال، إذ لا يوجد أي عمال معنا في الورشة".

ويشعر ترتير بالفخر كون كل مساجد الضفة والداخل الفلسطيني المحتل تحمل بصمة العائلة، فورشتهما هي الوحيدة المتخصصة بهذا الفن، "ففي كل مكان نمر به نرى تحفنا الفنية فوق المساجد".

ويزداد شعورهما بالفخر عندما يُثني المهندسون الذين يعملون في بناء المساجد على التحف الفنية التي يتسلمونها من الأخوان ترتير، ما يُنسيهما التعب الذي يشعران به في أثناء إنجازهما للقبة أو الهلال.

وما يزيد عملهما متعة أنهما يتعرفان إلى قرى ومدن بالضفة والداخل المحتل لم تطأها أقدامهما من قبل، "تعرفتُ إلى أماكن كثيرة لم أسمع بها في فلسطين من قبل، بقيت مساجدها شاهدة على صنيعي أنا وشقيقي ووالدنا من قبلنا، فقد ربطني عملي بأماكن كثيرة في بلدي وهذا ما يزيدني شغفاً به".

وتُعَرّف الدراسات الهندسية المئذنة ـأنها وحدة معمارية رأسية البناء، ودليل على مكان العبادة "المسجد"، وهي منطلق الأذان، لإعلام الناس بدخول أوقات الصلاة، ففي كل ناحية من أحياء المدن وحواريها وشوارعها وفي البوادي، ترتفع المآذن رايات تُخبر كل عابرٍ أن هذا مكان تقام فيه شعيرة الصلوات الخمس.

وتزين المآذن بالأهلة، للمكانة التي يحتلها الهلال في حياة المسلمين، باعتباره رمزًا دينيًا أصيلاً، فيوضع ليميز دور المسلمين دون سواهم، وفي بعض الدول يوضع باتجاه القبلة، مشيرًا إليها.

ولم يرد ما يدل على وضع الهلال رمزا على المنارات أو المساجد وغيرها، فقد جعل المسلمون منارات للمساجد ولم يكن ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينكره أحد، وهكذا هنا في أمر الهلال، فأول من وضعه على المساجد ونحوها هم العثمانيون تمييزا لمؤسسات المسلمين عن الكنائس التي كانت ترفع الصليب.