الضفة الفلسطينية والطرق على الخزان

حين نتابع وقع الأحداث في الضفة الفلسطينية المحتلة والقدس؛ نجد أن عمليات المقاومة تزداد وتائرها، وهي تتكرر على نحو أسبوعي، إن لم يكن يوميًّا في أحايين كثيرة، وأن هذه التحولات أضحت أكثر تنظيمًا وأنها تتسع لتغطي جغرافيا المكان وتصدح في الزمان.

وإن أي مراقب سيلحظ بيسر أنها تتطور وتصبح دقيقة ومؤثرة، وتنتقل ظواهرها الفردية إلى عمل جماعي يضم ثلاثة أو يزيد من المقاومين، وقد نفذ بعض هذه العمليات مجموعة بأكملها، وفي أكثر من مواجهة لوحظ وجود عناصر للمراقبة أو للإسناد أو لتشتيت الانتباه أو التضليل لتعطيل مطاردة المنفذين.

أبطال الضفة الفلسطينية المحتلة يتعلمون ويراكمون خبراتهم، وتتفولذ إرادتهم وهم يواصلون حراكهم على عدة جبهات، فهناك التظاهرات الجماهيرية والاعتصامات وإضرابات الجوع على جبهة السجون والمعتقلات وتلك المتضامنة معهم، وجبهات المقاومة الشعبية للمشاريع الاستيطانية وحواجز جيش الاحتلال، وتلك التي تواجه هجمات سوائب مستوطنيهم، والدعوات لتنظيم لجان الدفاع لكبح جماح تغولهم النازي الأرعن في برقة وسبسطية وبيت دجن، ونعلين وبيتا وبيت ساحور، وجنين وكفر قدوم وقلقيلية والخليل، وكثير غيرها.

ويلحظ بوضوح أن شعبنا الفلسطيني ينحاز إلى مقاومته الباسلة، ويلتحق ببرنامجها، ويندمج في ميادينها المتعددة، الشعبية منها والعسكرية المسلحة، وقد أدرك أيضًا جوهر برنامج وخطورة مشروع سلطة المتخابرين في رام الله المحتلة، ودورها في التقاسم الوظيفي مع العدو المحتل، وقد نجح فعليًّا في تجاوز هجمات سلطة عباس على كل الصعد من اعتقال واغتيال المناضلين، وعدوان أجهزة كلاب الأثر الدموية على الصحفيين والكتاب، والنقابيين، ونشطاء المجتمع المدني.

أيضًا عصابة عباس الأمنية بدأت ترى أن إرهاصات الانتفاضة الشعبية المقدسة العارمة قد بدأت فعلها، وأن الشعب قد اتخذ قراره بالتقدم دومًا إلى الأمام دون تردد لدك وكر التآمر في مقاطعة صك إذعان أوسلو برام الله المحتلة.

ويتبدى ذلك نافرًا في التظاهرات الصاخبة التي تطالب بأعلى صوت بسقوط عباس وعصابته، وكذلك في الاعتصامات وإضرابات الجوع مع أسرانا البواسل في مواجهة حماقات وتنكيل سلطات السجون.

ويتطور ذلك إلى هجمات بالسلاح على مراكز الشرطة والأجهزة الأمنية الأوسلوية، وتهديد لضباطها.

ولقد تصاعد أخيرًا صدور بيانات الشجب والاستنكار لتغول أزلام عباس من عدد واسع من منظمات المجتمع المدني، وفصائل المقاومة، والمؤسسات المختلفة، والشخصيات الوطنية والنقابية الوازنة، وقد تحدثت تلك البيانات بلغة واضحة وحددت دون مواربة أن سلطة فتح تمارس دورًا مكملًا للعدو ورديفًا له، وحذر الجميع من مخاطر ذلك، وأنذروا بعواقبه وارتداداته الخطرة اللاحقة.

 وأشارت بعض هذه المواقف بأن أي مواجهة ناجعة للاحتلال تقتضي تطهير القلعة الداخلية من أدران هذه العصابة المتآمرة.

في الوقت الذي كان فيه كل ذلك يرتد على سلطة فتح كرزاي نفسها حين بدأ تيار فتح "العباسي" يأكل أبناءه، بعد اعتقال محمد الزبيدي نجل أسير نفق الحرية في جلبوع زكريا الزبيدي، وضربه والتنكيل به بوحشية الكلاب الضالة الشاردة في جنين البطولة.

ولقد تابع شعبنا الفلسطيني المرابط الصامد في وطنه بضفة القسام كيف تمارس هذه العناصر المجرمة "زعرنتها" بالاعتداء بالضرب المبرح على المواطنين في الشوارع، والشتم بأقذع الألفاظ، وإطلاق النار فوق رؤوس المواطنين، في مشهد استفزازي متوحش.

وواضح أن لحظة مواجهة هذا التغول الأمني قد دنت ردًّا على حملات الاعتقال السياسي لقيادات وعناصر ونشطاء حركتي حماس والجهاد والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، اللاتي حذرن من خطورة ذلك، وطالبن بوقف ذلك فورًا أو لتتحمل السلطة عواقب ذلك، وذكرت بعض هذه التصريحات أن السلطة باتت طابورًا خامسًا للاحتلال منفذة لتعليماته، وأن الصبر على كل هذا الخروج السافر عما هو وطني قد نفد وطفح الكيل وزاد، وأن لحظة مواجهة هذه الحقيقة باتت تفرض نفسها على الجميع.

وعلى المقلب الآخر إن تطور العمل الجهادي يأتي بفعل الثقة الراسخة بقدرات المقاومة وإنجازاتها في مراكمة نقاط القوة، وتلك التطورات الهائلة التي احتشدت وتدفقت كالطوفان بعد معارك "سيف القدس"، التي أضافت إلى كل معارك الثورة والشعب المنتصرة على مدار السنوات الماضية مداميك وعلامات صلبة، تلك التي فرضت فيها كتائب الشهيد عز الدين القسام ومعها فصائل المقاومة الأخرى تراجعًا مذلًّا للجيش الذي يعد التاسع قوة على المستوى الكوني.

والمقاومة الفلسطينية الباسلة تمكنت باقتدار من تعميق مآزق العدو اقتصاديًّا وسياسيًّا، لينجب بعد طول مخاض حكومة هي الأكثر ضعفًا ويمينية، منذ تأسيسه غير الشرعي والزائل قريبًا بإذن الله.

العدو منشغل هذه الأيام حتى الذعر بالملف الإيراني، لكنه لم يزل يجري تمارينه العسكرية، ويعد جيشه لعدوانه القادم على قطاع غزة الصامد المرابط والمستعد لكل الاحتمالات، الذي يعد بنصر مؤزر يضيف إلى معينه الكثير والمثير، كما كان دومًا في كل النزالات والمحطات التي سبقت.