فلسطين أون لاين

شكَّل حاضنة وطنية لشهداء ارتقوا بنيران الاحتلال

تقرير مسجد النصر.. إرث إسلامي تاريخي بزغ منه "الفجر العظيم" في نابلس

...
مسجد النصر - أرشيف
نابلس-غزة/ أدهم الشريف:

يحظى مسجد النصر الواقع بساحة المنارة في قلب البلدة القديمة لمدينة نابلس، شمالي الضفة الغربية، بأهمية تاريخية ووطنية جعلته يشكل حاضنة لمبادرة الفجر العظيم، التي انطلقت في الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل، جنوبًا، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، وامتدت إلى القدس ومدن الضفة الغربية المحتلة.

وكان الهدف من المبادرة عند انطلاقها، تكثيف الوجود الفلسطيني في الحرم الإبراهيمي، الذي تعدُّه سلطات الاحتلال حاليًّا "تراثًا يهوديًّا"، حسب زعمها.

ويعد مسجد النصر، من أهم المساجد التاريخية في نابلس والضفة الغربية، إذ كان من أوائل المساجد التي شهدت صلاة الفجر العظيم، وشكّل حاضنة لها استجابة لدعوات شبابية وشعبية لنشر المبادرة التي تشهد إقبالًا مستمرًّا.

وللتعرُّف إلى تاريخ مسجد النصر أكثر ومكانته التاريخية والحضارية، تحدثت صحيفة "فلسطين" مع إمامه الشيخ أحمد زنادة، وبيَّن أن التاريخ يفيد بأن أول بناءٍ له كان في عام الـ15 للهجرة، لكن بحلول سنة 1927 تعرضت فلسطين لزلزال تأثرت به مدينة نابلس كثيرًا، وعلى إثر ذلك لحقت بالمسجد أضرار فادحة، ولم يبقَ من البناء الأصلي سوى المنطقة الجنوبية.

وأوضح أنه بحلول 1935، بني المسجد من جديد، وهو يشكل أحد أهم المساجد في نابلس والضفة الغربية، وهذا لأنه يتوسط البلدة القديمة من نابلس.

وبحسب زنادة فإنّ مسجد النصر يتميز بقبته الخضراء، التي تعد الثانية من حيث الحجم والارتفاع في فلسطين بعد قبة الصخرة في المسجد الأقصى المبارك.

وأشار إلى أن مسجد النصر شكل على مدى سنواته، حاضنة للعلماء، منبِّهًا إلى أن المسجد تعرض لانتهاكات واعتداءات متعددة نفذتها قوات الاحتلال، وخاصة خلال ما تسمى عملية "السور الواقي" سنة 2002، وألحق به جنود الاحتلال أضرارًا عديدة في أثناء الاجتياح.

وذكر أنه بعد انطلاق مبادرة الفجر العظيم في الحرم الإبراهيمي، بادر شبان من مدينة نابلس، باختيار مسجد النصر ليكون حاضنة لهذه الصلاة فجر كل يوم جمعة، وهو قادر على استيعاب أعدادٍ كبيرة في ساحة المنارة التابعة له.

وأشار إلى أن أكثر من 25 ألف مصلٍّ شاركوا في صلوات الفجر العظيم في مسجد النصر، لافتًا إلى أنّ أقل عدد مصلين يشارك في الفجر العظيم يقدر بـ(4-5) آلاف مصلٍّ.

ولقد شكل خلال سنوات الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، حاضنة لعدد كبير من الشبان الفلسطينيين الذين ارتقوا برصاص جنود الاحتلال.

وقال خليل قدومي -أحد القائمين على مبادرة الفجر العظيم في نابلس-: إنّ مسجد النصر يتمتع بوجود ساحة كبيرة مجاورة له، اسمها ساحة المنارة، وهي تتسع لعدد كبير من المصلين، ولذلك اخترنا هذا المسجد لأداء صلاة الفجر العظيم، امتدادًا للمبادرة التي انطلقت من المسجد الإبراهيمي، في الخليل.

وأضاف قدومي لـ"فلسطين"، أنّ الهدف من المبادرة في مسجد النصر، حثُّ المواطنين على الحضور والرباط فيه أيضًا، ومساندة أهالي الخليل في دفاعهم عن الحرم الإبراهيمي الذي تستبيحه قوات الاحتلال والمستوطنون معًا، مؤكدًا رفضه عمليات تدنيس المساجد التي يُنفذها هؤلاء.

وبينما أكد أن مسجد النصر يحظى بأهمية تاريخية وإسلامية ووطنية، بيَّن أن إقبال المواطنين عليه وخاصة خلال فعاليات الفجر العظيم، كبير جدًّا، ولقد امتدت المبادرة لبقية مساجد نابلس بعدما انطلقت في مسجد النصر.

ونبَّه إلى أنّ شخصيات قائمة على الفجر العظيم في مسجد النصر، تعرضت للاعتقال والتحقيق معها لدى سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

بدوره، قال الرئيس السابق لأوقاف نابلس الشيخ زهير الدبعي، إنّ الأهمية التاريخية التي يحظى بها مسجد النصر، هي الأهمية ذاتها التاريخية لمدينة نابلس، التي كانت إحدى المدن التي تحررت على يدِ صلاح الدين الأيوبي من الصليبيين، قبل الانطلاق إلى مدينة القدس وتحريرها بعد 88 سنة على احتلالها.

وبيَّن الدبعي لـ"فلسطين"، أنّ مسجد النصر يُذكِّر بالنصر الذي حققه جيش صلاح الدين على الصليبيين، وتحرير البلاد والعباد من الغزاة المحتلين، وسمي بذلك نسبة إلى هذا الانتصار قبل أكثر من 800 عام.

وبيَّن أنّ المسجد تعرض لأضرار بسبب طوفان شهدته مدينة نابلس في فبراير/ شباط 1934، وتدفقت المياه إلى المسجد، ما أدى إلى حدوث تصدعات في جدرانه، وبناء على ذلك تقررت إعادة بنائه، وهو قائم حتى يومنا هذا.

وخلال انتفاضة الحجارة سنة 1987، شكّل مسجد النصر بؤرة للمواجهة والصراع ونقطة انطلاق المسيرات الشعبية ضد انتهاكات وجرائم (إسرائيل) بحق المدنيين، ولجأ جيش الاحتلال في الغالب إلى قمع المشاركين العُزّل بالأسلحة النارية بعنف شديد وقتلهم.

واستدرك: إنّ قضية المقاومة والنصر وانتزاع الحقوق، أمر أساسي في حياتنا لا غنى عنه في التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي.

وعادة ما يشهد مسجد النصر صلاة الفجر العظيم على أرواح الشهداء، كما حصل بتاريخ 12 أغسطس/ آب الماضي، عندما امتلأت باحاته الخارجية بالمصلين من الرجال والنساء تلبية للدعوة لأداء صلاة الفجر العظيم عن أرواح شهداء نابلس الثلاثة؛ إبراهيم النابلسي، وإسلام صبوح، والفتى حسين طه.

ورافق ذلك، صف أكثر من 20 كرسيًّا عليها صور لشهداء نابلس وجنين، ومن بينهم صور رعد خازم، وضياء حمارشة، منفذَي العمليتيْن الفدائيتين في الداخل المحتل.

وفي فبراير/ شباط 2020، شهد مسجد النصر تقديم محاضرة دينية دعوية للشيخ محمد راتب النابلسي، وسط حضور لافت وكبير من المواطنين الذين ملؤوا محيط المسجد، وأزقة البلدة القديمة بنابلس.